Menu:

 

 محمد غنيم رجل عَالم، فنان، وشاعر، يعرف كيف يحتوينا ويأخذنا معه بالإبحار في عالمه الذي عرفه من خلال تجاربه الحياتية الغزيرة التى اكتسبها من السير فوق أرصفة .العالم
"رئيس جمعية الثقافة العالمية"

Links:

 محمد غنيم كوم -
     جامعة الثقافة -
 الجمهورية والعالم -
 الجوائز -
 البوم الصور -

 

ورقة التين وقصص أخرى .. البحث والهروب : مراحل رحلة غنيم
هناك مسار مشترك يربط بين الأقاصيص الستة ويجمع بها بل ويفسرها بطريقة أو بأخرى ألا وهو "البحث" ، فغنيم يحكي لنا دائما قصة بحث ، حتى عندما يظهر لنا انطباعا مغايرا ، فشخصياته في حركة دائمة يقتفون أثار أهدافهم ، وإلا فهم شخوص في حالة هروب ،وفي كل الأحوال هم في حركة دائمة . ورقة التين وقصص أخري
إن شخصيات غنيم لا تنتابها حالة الراحة ولا تصيبها حالة الركود ، بل يمكننا أن نجزم بالقول بأن بطل القصة الذى تدور حوله الأحداث لم يكن يوما فقيرا ولم يكن أبدا ليخضع للسطحية حتى يترك لنا مجالا لتحديد شخصيته بصورة كاملة مهما استعملنا في وصفها كل ما أوتينا من بلاغة وبيان ، فللقصة حبكة محكمة يمكن ملاحظتها منذ كلمات السطور الأولى وحتى مفاجآت المشهد الأخير ؛ إن الصيغة وإن كانت تقليدية فهي لا تقع في فخ التقليد وذلك بسبب قوة وترابط موضوع أقاصيص غنيم .
إنه البحث كما قلنا ففي قصة "عندما يسقط القناع" وقصة "الكير" نجد تصويرا بصيغ وأشكال وطرق مختلفة لعلاقة الأب والابن أحد الأنماط الأدبية العتيقة .
في القصة الأولى يروي لنا غنيم عن أستاذ استحوذت عليه شخصية فراش المدرسة الشاب فطرفيها أب وابن يمثلان نموذجا لعلاقة الأب والابن الغير عاطفية ، أما في القصة الثانية فنجد شخصين تجمعهم علاقة قرابة حقيقية ، ولكن هذه المرة نجد الابن يسعى في البحث عن جذوره الأبوية ، ولقد كان التحقيق في كلا القصتين محفوفا بإصرار وعزيمة يضع أبطال القصتين أمام امتحان صعب ، الأمر الذي يجعلهم يفقدون ثقتهم بأنفسهم وبقواهم ، ويجدر بنا ملاحظة كيفية تطور الأفكار المسيطرة على بطل "عندما يسقط القناع" الراوي الأول للقصة وهى الطريقة السردية التي تروق كثيرا لغنيم .
بطل القصة يعملا مدرسا وأخصائيا اجتماعيا إلا أنه مبهور وحاقد في الوقت ذاته على شخصية الفراش الفذة الشاب "فرنكلين" ، العامل المجتهد والذي صار فتى أحلام تلميذات المدرسة ؛ ولسوف يرى القراء "فرنكلين" مرة واحدة فقط يختفي بعدها من القصة إلا أنه سيظل مسيطرا على وجدان وذهن البطل ، بل سيبقى ظاهرا في ذاكرته الكهل"اندريه تشيزارى" الذي حاول الانتحار ولكن يتم إنقاذه في اللحظة الأخيرة على يد البطل والذي سوف يتمكن في وقت لاحق من تحقيق هدفه الانتحاري .
في الصفحات الأخيرة للقصة وكما يحدث في الدراما عصر اليزابيث* ، يظهر "اندريه تشيزارى" ليوضح المظاهر المظلمة للقصة ، كالغارق في متاهة لا يجد سبيلا للنجاة منها، ويكشف عن اللغز في حلقة مصغرة من شخصيات معزولة .
إنه عالم صغير مفعم بالكوابيس يذكرنا بحدس باتريسيا هايسميث** (بالرغم من اختلاف الأسلوب بصورة واضحة واختلاف نوع سيطرة الهواجس التي تعالجها القصة) ، وعليه فمن السهل إدراك أن نتيجة البحث ليست غالبا (بل مطلقا) مطمئنة .
أتكون شخصيات غنيم مهزومة؟ نعم ربما ، ولكن في المقابل يبدو أنه لم يكن يديهم فرصة للوجود سوى هذا البعد كثير الإلحاح في مفترق الطرق والذي يدفعهم إلى البحث بين الفينة والأخرى عن شخص ما أو مثل أعلى ، أو البحث عن هويتهم وجذورهم وأصلهم الحقيقي ، والبحث كذلك عن إجابة عن "لماذا" ؛ ولو إننا قمنا بحركة مماثلة لهم ولكن في اتجاه مضاد وعنيف لهم فإننا سنشهد هروب أشخاص آخرين ، ذاك أن الأسباب التي تدفع أولئك الرجال للهروب لا تختلف كثيرا عن تلك التي تدفعهم للبحث ؛ وسنجد أنفسنا مرة أخرى أمام مخاوف تأتي من زمن سحيقة تطارد هذه الشخصيات ومنذ الطفولة الأولى وحتى مرحلة النضج .
أما سبيل الخلاص من تلك الهواجس الغريبة فهو بقدر وضوحه وضوحا جليا فهو صعب المنال شاق المسار ،إلا أن غنيم فيجد لنا مخرجا ممكنا من خلال إصلاح العلاقات الإنسانية الصادقة والمحترمة ؛ إنها المدينة الإنسانية الفاضلة التي تعم روايته والتي نجدها بصورة ميسرة وفعالة في الوقت ذاته تشرح لنا الصراع بين المدينة والقرية ، وبمعنى آخر إنه مجتمع يتخلى عن شخصيته وينأى عنها مقابل مجتمع آخر يدرك تماما شخصيته وشخصية الآخرين من حوله في إطار رحب من التناغم الفطري .
في الحقيقة نحن لسنا بعيدين عن العمل السابق لغنيم "سر برهومة" حيث يروي بنفس الطريقة عن تحقيق قام به شخص أجنبي يعيش وسط شخصيات متنوعة تربط بينهم روابط رمزية مستوحاة من واقع آخر مثلما كان يحدث للصحفي المخبر في "السلطة الرابعة" لأورسن ويلز*** ، أما هنا فنجد غنيم يكتفي بنماذج إنسانية جديدة وفق رؤيا مغايرة: نساء "حاميات" وأباء وأبناء ؛ أنماط أدبية عتيقة ، إلى الآن لا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن فك شفراتها .
الناقد الإيطالي فبيو اوريكيو

*نسبة لفترة حكم المكلة اليزابيث الأولى ملكة إنجلترا في الفترة ما بين عام 1558 إلى 1625 والتي تعتبر أزهي عصور الأدب الأوروبي ويعتبر وليام شكسبير من أشهر ممثلي هذا العصر . (المترجم)
**كاتبة روايات بوليسية أمريكية (1921-1995) ذاع صيتها بعد رواية السيد ريبلاي عام 1957. (المترجم)
***أورسن ويلز(1915-1985) ممثل ومخرج وكاتب سيناريو أمريكي حصل مرتين على جائزة الأوسكار . (المترجم)